القاضي عبد الجبار الهمذاني

61

شرح الأصول الخمسة

لا يجوز أن يكون تأثيره في نفس الصفة لما قد تقدم أن هذه الصفة لا تتعلق بالفاعل ، وإن كان تأثيره فيما يؤثر فيه ، فذلك المؤثر لا يجوز أن يكون معدوما ، لأن الأعدام لا يتعلق بالفاعل ، فيجب أن يكون موجودا على ما نقوله . وبعد ، فلو كان الجسم مجتمعا لعدم الافتراق ، ومفترقا لعدم الاجتماع ، لوجب إذا عدم المعينان على الجسم ، أن يكون مفترقا مجتمعا دفعة واحدة ، وهذا محال . فإن قيل : نحن لا نقول بعدم المعنيين عن الجسم ، بل نقول بوجود أحدهما وعدم الآخر ، قلنا : إنك قد أقررت بإثبات الأعراض فكفينا مئونة المناظرة على أن نريك عدم المعنيين عن الجسم ، فنقول : إن زيدا لو جمع بين الجسمين فقد عدم عنه الافتراق ، وعمرا إذا فرق بينهم فقد عدم عنه الاجتماع ، ففي الحالة الثالثة يجب أن يكون الجسم مجتمعا مفترقا في دفعة واحدة لعدم المعنيين جميعا . فإن قيل : إن الافتراق الأول يعود ، قلنا : العود على مقدورات العباد لا يصح ، فصح ما قلناه . فإن قال : فإذا جاز في الجسم أن يكون مجتمعا لوجود الاجتماع ومفترقا لوجود الافتراق ، ولا يلزم أن يكون الجسم مجتمعا مفترقا في حالة واحدة ، فهلا جاز أن يكون مجتمعا مفترقا دفعة واحدة ؟ قلنا : لأن هذين المعنيين يتضادان في الوجود ولا يتضادان في العدم ، فلا يمنع عدمهما وإن امتنع وجودهما لأجل تضادهما ، فافترقا . فإن قال : لم لا يجوز أن يكون مجتمعا لوجود الاجتماع ، ومفترقا لعدم الاجتماع ؟ قيل له : لأنه لو كان كذلك لوجب إذا وجد فيه الاجتماع من جهة زيد ، وعدم من جهة عمرو ، أن يكون مجتمعا مفترقا دفعة واحدة ، وهذا محال . دلالة أخرى ، وقد استدل لحسن الأمر والنهي على إثبات الأعراض ، فقيل قد ثبت أنه يحسن من الواحد منا أن يأمر الغير بأن يناوله الكوز فلا يخلو أن يكون أمرا بنفس الجسم أو بأمر زائد على الجسم . لا يجوز أن يكون أمرا بنفس الجسم ، لأن الجسم موجود ، والأمر بإيجاد الموجود محال ، فلم يبق إلا أن يكون أمرا بمعنى سوى الجسم ، وهو الذي نقوله . فإن قيل : نحن لا نقول إنه أمر بنفس الجسم ، ولا بمعنى سوى الجسم بل نقول هو أمر بتحصيل الجسم على هذه الصفة .